القرطبي

201

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك . قالت عائشة : فسألته فقال : ( إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي ) . ويقول إذا رأى المطر : ( رحمة ) . في رواية فقال : ( لعله يا عائشة كما قال قوم عاد " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ( 1 ) . فهذه الأحاديث والآي تدل على صحة القول الأول وأن تسخيرها ليس ثبوتها ، والله تعالى أعلم . فإن الثبوت يدل على عدم الانتقال ، فإن أريد بالثبوت كونها في الهواء ليست في السماء ولا في الأرض فصحيح ، لقوله " بين " وهي مع ذلك مسخرة محمولة ، وذلك أعظم في القدرة ، كالطير في الهواء ، قال الله تعالى : " ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ( 2 ) " وقال : " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ( 3 ) " . الثالثة عشرة - قال كعب الأحبار : السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لافساد ما يقع عليه من الأرض ، رواه عنه ابن عباس . ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن علي عن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني قال : رأيت ابن عباس مر على بغلة وأنا في بنى سلمة ، فمر به تبيع ابن امرأة كعب فسلم على ابن عباس فسأله ابن عباس : هل سمعت كعب الأحبار يقول في السحاب شيئا ؟ قال : نعم ، قال : السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لافسد ما يقع عليه من الأرض . قال : سمعت كعبا يقول في الأرض تنبت العام نباتا ، وتنبت عاما قابلا غيره ؟ قال نعم ، سمعته يقول : إن البذر ينزل من السماء . قال ابن عباس : وقد سمعت ذلك من كعب . الرابعة عشرة - قوله تعالى : " لايات " أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته ، ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب قوله : " وإلهكم إله واحد " ليدل بها على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه ، وذكر رحمته ورأفته بخلقه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها ) أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها . فإن قيل : فما أنكرت أنها أحدثت أنفسها . قيل له : هذا محال ، لأنها لو أحدثت أنفسها لم تخل من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو هي معدومة ، فإن أحدثتها وهي

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 205 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 152 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 217 .